القرطبي
281
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس قال : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه ويتتبعه فيها . قال : قلت : يا رسول اللّه ؛ ما هذا ؟ قال دم الحسين وأصحابه لم أزل أتبعه منذ اليوم . قال عمار : فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم « 1 » . وهذا سند صحيح لا مطعن فيه . وساق القوم حرم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما تساق الأسرى حتى إذا بلغوا بهم الكوفة ، خرج الناس فجعلوا ينظرون إليهم ، وفي الأسارى علي بن الحسين وكان شديد المرض قد جمعت يداه إلى عنقه ، وزينب بنت علي وبنت فاطمة الزهراء وأختها أم كلثوم ، وفاطمة وسكينة بنت الحسين ، وساق الظلمة والفسقة معهم رؤوس القتلى . روى قطر ، عن منذر الثوري ، عن محمد بن الحنفية قال : قتل مع الحسين سبعة عشر رجلا كلهم من ولد فاطمة عليها الصلاة والسلام . وذكر أبو عمر بن عبد البر عن الحسن البصري قال : أصيب مع الحسين بن علي ستة عشر رجلا من أهل بيته ، ما على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه . وقيل : إنه قتل مع الحسين من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا . وفي صحيح البخاري في المناقب عن أنس بن مالك : أتى عبيد اللّه بن زياد برأس الحسين ، فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئا ، فقال أنس : كان أشبههم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان مخضوبا بالوسمة « 2 » . يقال : نكت في الأرض ؛ إذا أثّر فيها ، ونكت بالحصباء إذا ضرب بها . وكان الفاسق يؤثر في رأسه المكرم بالقضيب . وأمر عبيد اللّه ابن زياد من قوّر الرأس حتى ينصب في الرمح ، فتحاماه أكثر الناس فقام رجل يقال له : طارق بن المبارك - بل هو ابن المشئوم الملعون المذموم - فقوّره ونصبه بباب دار عبيد اللّه ، ونادى في الناس وجمعهم في المسجد الجامع ، وخطب خطبة لا يحل ذكرها ، ثم دعا بزياد ابن حر بن قيس الجعفي فسلّم إليه رأس الحسين ورؤوس إخوته وبنيه وأهل بيته وأصحابه ، ودعي بعلي بن الحسين فحمله وحمل عماته وأخواته إلى يزيد على محامل بغير وطاء ، والناس يخرجون إلى لقائهم في كل بلد ومنزل حتى قدموا دمشق ودخلوا من باب توما ، وأقيموا على درج باب المسجد الجامع ، حيث يقام
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 242 ) بإسناد صحيح . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3748 ) .